ابراهيم بن عمر البقاعي
648
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 60 إلى 62 ] وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 60 ) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ( 61 ) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ( 62 ) ولما كان من مفاتح الغيب الموت والبعث الذي ينكرونه ، وكان من أدلته العظمة النوم والإيقاظ منه مع ما فيه من الإحسان المتكرر ، وكان فيه مع ذلك تقرير لكمال القدرة بعد تقريره لكمال العلم ، أتبع ذلك قوله : وَهُوَ أي وحده الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ أي يقبض أرواحكم كاملة بحيث لا يبقى عندكم شعور أصلا ، فيمنعكم التصرف بالنوم كما يمنعكم بالموت ، وذكر الأصل في ذلك فقال : بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ أي والحال أنه يعلم ما جَرَحْتُمْ أي كسبتم بِالنَّهارِ أي الذي تعقبه النوم ، من الذنوب الموجبة للإهلاك ، ويعاملكم فيها بالحلم بعد العلم ولا يعجل عليكم ، وهو معنى ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ أي يوقظكم بعد ذلك النوم المستغرق ، فيصرفكم فيما يشاء فِيهِ أي في النهار الذي تعقب ذلك النوم بعد استحقاقكم للانتقام لِيُقْضى أي يتم أَجَلٌ مُسَمًّى كتبه للموتة الكبرى . ولما تمهد بهذا النشر بعد ذاك الطي في الموتة الصغرى القدرة على مثل ذلك في الموتة الكبرى ، وكان فيه تقريب عظيم له قال : ثُمَّ يبعثكم من تلك الموتة كما بعثكم من هذه ، ويكون إِلَيْهِ أي وحده مَرْجِعُكُمْ أي حسا بالحشر إلى دار الجزاء ، ومعنى بانقطاع الأسباب على ما عهد في الدنيا ثُمَّ بعد تلك المواقف الطوال والزلازل والأهوال ، ويمكن أن تشير أداة التراخي إلى عظمة العلم بذلك ، وإليه يرشد أكثر ما قبله من السياق يُنَبِّئُكُمْ أي يخبركم إخبارا عظيما جليلا مستقصى بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * أي فيجازيكم عليه ، ولعلمه عبر بالعمل لأن الحساب يكون على المكلفين الذين لهم أهلية العلم ، فتقرر - مع كمال قدرته سبحانه على اختراع هذه الأشياء والعلم بها - استقلاله بحفظها في كل حال وتدبيرها على أحسن وجه . ولما أخبر بتمام العلم والقدرة ، أخبر بغالب سلطنته وعظيم جبروته وأن أفعاله هذه على سبيل القهر لا يستطاع مخالفتها ، فلو بالغ أحد في الاجتهاد في أن ينام في غير وقته ما قدر ، أو أن يقوم وقت النوم لعجز ، أو أن يحيي وقت الموت لم يستطع إلى غير ذلك فقال : وَهُوَ أي يفعل ذلك والحال أنه وحده بما له من غيب الغيب وحجب الكبرياء الْقاهِرُ وصور ذلك بقوله : فَوْقَ عِبادِهِ أي في الإحاطة بالعلم والفعل ، أما قهره للعدم فبالتكوين والإيجاد ، وأما قهره للوجود فبالإفناء والإفساد بنقل الممكن من